فخر الدين الرازي
42
تفسير الرازي
المسألة الثالثة : هذا الذي وصفه الله تعالى به من التكذيب والمعصية مغاير لما كان حاصلاً قبل ذلك ، لأن تكذيبه لموسى عليها لسلام وقد دعاه وأظهر هذه المعجزة . يوفى على ما تقدم من التكذيب ومعصيته بترك القبول منه ، والحال هذه مخالفة لمعصيته من قبل ذلك . * ( ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى ) * . وثانيها : قوله : * ( ثم أدبر يسعى ) * وفيه وجوه أحدها : أنه لما رأى الثعبان أدبر مرعوباً يسعى يسرع في مشيه ، قال الحسن كان رجلاً طياشاً خفيفاً وثانيها : تولى عن موسى يسعى ويجتهد في مكايدته وثالثها : أن يكون المعنى ، ثم أقبل يسعى ، كما يقال : فلان أقبل يفعل كذا ، بمعنى أنشأ يفعل ، فوضع أدبر فوضع أقبل لئلا يوصف بالإقبال . * ( فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ الاَْعْلَى ) * . وثالثها : قوله : * ( فحشر فنادى ، فقال أنا ربكم الأعلى ) * فحشر فجمع السحرة كقوله : * ( فأرسل فرعون في المدائن حاشرين ) * ( الشعراء : 53 ) فنادى في المقام الذي اجتمعوا فيه معه ، أو أمر منادياً فنادى في الناس بذلك ، وقيل قام فيهم خطيباً فقال تلك الكلمة ، وعن ابن عباس كلمته الأولى : * ( ما علمت لكم من إله غيري ) * ( القصص : 38 ) والآخرة : * ( أنا ربكم الأعلى ) * . واعلم أنا بينا في سورة ( طه ) أنه لا يجوز أن يعتقد الإنسان في نفسه كونه خالقاً للسموات والأرض والجبال والنبات والحيوان والإنسان ، فإن العلم بفساد ذلك ضروري ، فمن تشكك فيه كان مجنوناً ، ولو كان مجنوناً لما جاز من الله بعثة الأنبياء والرسل إليه ، بل الرجل كان دهرياً منكراً للصانع والحشر والنشر ، وكان يقول ليس لأحد عليكم أمر ولا نهي إلا لي ، فأنا ربكم بمعنى مربيكم والمحسن إليكم ، وليس للعالم إله حتى يكون له عليكم أمر ونهي ، أو يبعث إليكم رسولاً ، قال القاضي : وقد كان الأليق به بعد ظهور خزيه عند انقلاب العصا حية ، أن لا يقول هذا القول . لأن عند ظهور الذلة والعجز ، كيف يليق أن يقول : * ( أنا ربكم الأعلى ) * فدلت هذه الآية على أنه في ذلك الوقت صار كالمعتوه الذي لا يدري ما يقول . * ( فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الاَْخِرَةِ وَالاُْوْلَى ) * . واعلم أنه تعالى لما حكى عنه أفعاله وأقواله أتبعه بما عامله به وهو قوله تعالى : * ( فأخذه الله نكال الآخرة والأولى ) * وفيه مسألتان : المسألة الأولى : ذكروا في نصب نكال وجهين الأول : قال الزجاج : إنه مصدر مؤكد لأن معنى أخذه الله ، نكل الله به ، نكال الآخرة والأولى . لأن أخذه ونكله متقاربان ، وهو كما يقال : أدعه تركاً شديداً لأن أدعه وأتركه سواء ، ونظيره قوله : * ( إن أخذه أليم شديد ) * ( هود : 102 ) ، الثاني : قال الفراء : يريد أخذه الله أخذاً نكالاً للآخرة والأولى ، والنكال بمعنى التنكيل كالسلام بمعنى التسليم .